محمد جواد مغنية
276
في ظلال نهج البلاغة
وأحسنوا فيه ، وليس ذلك بمحرم عليهم ما داموا بعيدين عن الرياء ، فما من أحد إلا وهو يحب أن يظهر له الخير أمام الناس إلا صفوة الصفوة كالإمام الذي قال لأصحابه : ( فلا تثنوا علي بجميل ثناء ) لخير عملته ، وجهد بذلته ، لأني ما عملت واجتهدت للثناء والإطراء بل ( لإخراجي نفسي إلى اللَّه سبحانه واليكم من التقية في حقوق إلخ ) . . أي انما فعلت الذي فعلت لأحرر نفسي من المسؤولية التي تحملتها بولايتي عليكم ، وأصبح عليّ بموجبها حقوق وفرائض للَّه ولكم ، وأعمل جاهدا للوفاء بها ، وما زلت مقصرا في هذا الميدان . . واذن فعلام المديح . . وهكذا العظيم يستقل من نفسه كل خير يفعله ، وكل نوال يبذله مهما غزر وكثر . ( فلا تكلموني بما تكلَّم به الجبابرة ) الذين يعانون من سرطان العظمة والكبرياء . قال الفيلسوف الصيني « لين يوتانج » : كلما زاد عدد الدجالين والمنافقين ازداد المصفقين والهاتفين ( ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ) وهم الأقوياء الذين إذا خوطبوا بغير ما يشتهون من التفخيم ثاروا وهددوا ، والمعنى : خاطبوني بما يخاطب به بعضكم بعضا ، فإني واحد منكم . . هذا هو الاسلام بروحه وجوهره يحطم التمييز بين الناس مهما كانت الأنساب والمناصب . دخل على النبي ( ص ) أعرابي غريب ، فارتجف من هيبته . فقال له : هوّن عليك ، فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة . ( ولا تخالطوني بالمصانعة ) أي بالنفاق والرياء ، بل بصراحة وعلى سجيتكم ( ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي إلخ ) . . انا للَّه وللحق ومع الحق ، وقد ملك عليّ عقلي وقلبي ، واختلط حبه بلحمي ودمي فكيف أتبرم به ، وأنفر منه ( فإنه من استثقل الحق أن يقال له إلخ ) . . هذا من الواضحات التي لا يختلف فيها عالمان ولا جاهلان ، ويسميه علماء الأصول بمفهوم الموافقة ، وهو إعطاء حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق أولى ، ومن أمثلته * ( « فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ » ) * فالمنطوق به التأفيف ، وحكمه التحريم ، فيثبت الحكم للضرب بطريق أولى ، لأن علة التحريم الإساءة للوالدين ، وهي في الضرب أشد وأقوى . وأوضح مثال أو درس على الخضوع لكلمة الحق هذه الرائعة : قال أعرابي لرسول اللَّه ( ص ) : يا محمد هذا المال مال اللَّه أو مال أبيك . فشهر صحابي عليه سيفه . فقال له نبي الرحمة : دعه ، ان لصاحب الحق مقالا . ( فإني لست في نفسي بفوق أن اخطىء إلخ ) . . أبدا لا ترى عظيما ، ولن